عفيف الدين التلمساني
196
شرح مواقف النفري
قوله : ( وقال لي : قف في الأرض والسماء ، فرأيت ما ينزل إلى الأرض مكرا وما يصعد منها شركا ورأيت الذي يصعد هو عما ينزل ورأيت ما ينزل يدعو إلى نفسه ورأيت ما يصعد يدعو إلى نفسه ) . قلت : هذا التنزل الشريف هو مضمون قوله تعالى : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ [ الطّلاق : الآية 12 ] وهذا الأمر المتنزل هو مكره تعالى لما يقتضيه العلم من الشرك ، وهذا الشرك لا يجوز كشفه . حكى شيخنا رضي اللّه عنه فيما رواه أن ابن عباس رضي اللّه عنهما تلا هذه ثم قال : لو أخبرتكم معناها لقلتم ابن عباس لا يؤمن بيوم الحساب أي لا يسعه عقولكم ، كما قال عليه السلام : « خاطبوا الناس على قدر عقولهم أتحبون أن يكذب اللّه ورسوله » « 1 » . وسألوّح ببعض المعنى : ما ينزل من السماء من الأوامر يقتضي الغيرية وهي مكر ، وما يصعد هو العمل بمقتضى ذلك الأمر وهو شرك لرؤية العامل أنه هو صاحب القدرة في العمل وأنه هو العامل حقيقة وهذا شرك ، وأن هذا الشرك إنما أصله مما ينزل لاقتضائه الثنوية فقوله قال لكم ثم إن ما ينزل يدعو إلى نفسه بالربوبية وما يصعد يدعو إلى نفسه بالعبودية ، والحقيقة هو أمر آخر ، وهو محو المرتبتين في شهود أحدية الذات وقد تكرر معنى هذا . قوله : ( وقال لي : ما ينزل مطيتك وما يصعد مسيرك فانظر ما تركب وأين تقصد ) . قلت : ما ينزل هو الأمر والنهي ، وسماه مطيته لأنه خبر مبتدأ ، فافهم . قوله : ( وقال لي : تنزل مسافة تصعد مسافة بعد فالبعيد لا يحادث ) . قلت : هو ظاهر لأن الصعود والنزول يستلزم المسافة ، والمسافة بعد لأن قرب الحق تعالى وبعده بلا مسافة ، وإذا كانت المسافة بعدا فالبعيد لا يحادث .
--> ( 1 ) روى البخاري في صحيحه ، باب من خصّ بالعلم قوما . . . ، حديث رقم ( 127 ) [ 1 / 59 ] ووقفه الإمام عليّ رضي اللّه عنه ونصه : « حدّثوا الناس بما يعرفون ، أتحبّون أن يكذب اللّه ورسوله » .